يتناول هذا المقال التباين العميق في المواقف اللبنانية حيال التفاوض المباشر مع إسرائيل.
- الكشف عن رؤيتين متقابلتين بين منطق “المقاومة” و”الدولة” اللبنانية.
- تحليل لمواقف النائب حسن فضل الله عن “حزب الله” ورئيس جهاز الإعلام في “القوات اللبنانية” شارل جبور.
- التركيز على الجذور التاريخية والأيديولوجية للانقسام حول هذه القضية الحساسة.
لطالما كان ملف التفاوض مع إسرائيل أحد أكثر القضايا إثارة للجدل في الساحة اللبنانية، فهو يعكس انقساماً جوهرياً يتجاوز مجرد الآراء السياسية ليصل إلى صميم الهوية الوطنية ومفهوم السيادة. في ظل هذه التعقيدات، أجرت الجزيرة نت مقابلتين مع شخصيتين بارزتين تمثلان قطبين رئيسيين في هذا النقاش: النائب حسن فضل الله من كتلة “الوفاء للمقاومة”، وشارل جبور رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب “القوات اللبنانية”. تستعرض هاتان المقابلتان رؤيتين متقابلتين بوضوح حول إمكانية، جدوى، ومشروعية التفاوض المباشر مع الجانب الإسرائيلي.
منطق المقاومة: شروط التفاوض ورفض التطبيع
يمثل النائب حسن فضل الله، عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” (التابعة لحزب الله)، وجهة نظر ترى في أي تفاوض مباشر مع إسرائيل خيانة لمبادئ المقاومة وتهديداً للمصلحة الوطنية اللبنانية. يقوم هذا المنطق على أساس أن إسرائيل كيان عدو ولا يمكن التعامل معها إلا من موقع القوة والردع. ويرفض هذا التيار أي شكل من أشكال التطبيع أو الاعتراف بوجود إسرائيل، ويعتبر أن التفاوض يجب أن يكون حصراً في إطار تحديد الحدود البرية والبحرية، ووفق شروط تضمن الحقوق اللبنانية بالكامل ودون تنازلات.
الحدود المرسومة بالمقاومة لا بالمفاوضات
تؤكد هذه الرؤية على أن الإنجازات اللبنانية في استعادة الأراضي أو تثبيت الحقوق جاءت عبر المقاومة المسلحة، وليس عبر طاولة المفاوضات. بالتالي، فإن أي حوار مستقبلي يجب أن يكون محدوداً جداً في نطاقه، ويأتي لاستكمال ما حققته المقاومة وليس كبديل عنها. هذا المنطق يرى أن التفاوض يُمنح شرعية للطرف الآخر، وهو ما يتنافى مع مبدأ العداء المستمر.
رؤية الدولة: ضرورة التفاوض من موقع قوة
على الجانب الآخر، يقدم شارل جبور، رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، منطقاً مختلفاً ينطلق من رؤية الدولة ومؤسساتها. يرى جبور أن التفاوض مع إسرائيل، وإن كان أمراً شائكاً، يمكن أن يكون ضرورياً لترسيم الحدود وحماية مصالح لبنان السيادية، بشرط أن يكون هذا التفاوض تحت مظلة الدولة اللبنانية وبقرار موحد، وبعيداً عن الأجندات الخاصة.
البحث عن صيغة موحدة للدولة اللبنانية
يدعو هذا التوجه إلى تفعيل دور الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في أي مفاوضات مستقبلية، معتبراً أن غياب هذه المرجعية يعرض لبنان لتناقضات داخلية وضعف خارجي. ويشير جبور إلى أن التفاوض، إذا تم بقرار وطني جامع، يمكن أن يكون وسيلة لحفظ الحقوق وتحقيق الاستقرار، بدلاً من تركه رهين الصراعات الإقليمية والدولية.
نظرة تحليلية: أبعاد الانقسام حول التفاوض مع إسرائيل
يكشف التباين بين هاتين الرؤيتين عمق الانقسام السياسي والأيديولوجي في لبنان. إن مسألة التفاوض مع إسرائيل ليست مجرد قضية فنية أو تكتيكية، بل هي مرآة تعكس الصراع بين مفهومين للدولة والسيادة. فمنطق المقاومة يرى في الدولة أداة ضمن مشروع أوسع لمواجهة “الكيان الصهيوني”، بينما يرى منطق الدولة في المقاومة قوة خارجة عن سيطرتها، تتسبب في تقويض قرارها السيادي وتعرّض لبنان لمخاطر لا تحمد عقباها.
يؤثر هذا الانقسام بشكل مباشر على قدرة لبنان على اتخاذ قرارات موحدة في قضايا مصيرية، ويجعله عرضة للتدخلات الخارجية. كما أنه يعقد مساعي ترسيم الحدود، سواء البرية أو البحرية، ويؤخر الاستفادة من الموارد الطبيعية المحتملة، مثل الغاز في مياهه الإقليمية. إن غياب إجماع وطني حول كيفية التعامل مع هذه القضية الحساسة يترك البلاد في حالة من عدم اليقين المستمر، ويصعب من إمكانية بناء استراتيجية دفاعية أو سياسية متماسكة.
للمزيد من التفاصيل ومتابعة كل جديد، زوروا موقعنا باستمرار.







